يرى الكاتب شيمون ريفائيلي في مقال نشرته صحيفة الجيروزاليم بوست أن الجدل الدائر حول مستقبل غزة يتجاوز مسألة إعادة الإعمار أو الترتيبات الأمنية، ليصل إلى ساحة أكثر عمقًا وتأثيرًا، هي ساحة الوعي الديني والتربوي.


المساجد بوصفها ساحة صراع على الوعي


يفتتح الكاتب مقاله بالإشارة إلى افتتاح ثلاثة مساجد جديدة شمالي غزة قبيل شهر رمضان، بتمويل مؤسسة دينية تركية، مع رفع الأعلام التركية على واجهاتها، معتبرًا أن الأمر لا يقتصر على إعادة بناء عمرانية بريئة، بل يعكس إعلانًا أيديولوجيًا ورسالة سياسية واضحة.


يؤكد الكاتب أن إسرائيل عارضت لسنوات أي وجود عسكري قطري أو تركي في قطاع غزة، غير أن أنقرة والدوحة، بحسب رأيه، مارستا نفوذًا واسعًا من دون دبابات أو جنود، عبر الغذاء والمأوى والبنية التحتية والمساجد. ويشدد على أن التأثير الحقيقي لا يبدأ في ساحات القتال، بل في تشكيل العقول، وأن المساجد والمدارس تشكل الأدوات الأساسية لذلك.


خطأ المجتمع الدولي وتركيز ناقص


ينتقد المقال ما يعتبره خطأً مزمنًا للمجتمع الدولي، يتمثل في حصر الاهتمام بالبعد الأمني أو الاقتصادي فقط: جولة تهدئة، ترتيب جديد، تدفق أموال، ثم العودة إلى النقطة ذاتها. ويرى الكاتب أن أي تغيير حقيقي لن يتحقق من دون “نزع جذري للتطرف” وتحول عميق في منظومة القيم والرسائل السائدة.


يذهب الكاتب إلى أن بناء واقع مستقر يصبح مستحيلًا عندما يتعلم الطفل في غزة تمجيد المسلحين بوصفهم “أبطالًا”، ويتلقى خطبًا تمجد الشهادة والحرب، ويصف هذه العملية بأنها صناعة تحريض ممنهجة تُنتج جيلًا بعد جيل من العنف. ومن هذا المنطلق، يعتبر أن “اليوم التالي” في غزة لا يمكن أن يقتصر على إعادة الإعمار، بل يجب أن يقترن بتحول فكري وتربوي شامل.


التعليم والخطاب الديني بين الرقابة والنموذج البديل


يدعو الكاتب إلى خطة دولية جادة تشمل رقابة صارمة على المناهج التعليمية وخطب المساجد، وتعيين أئمة يصفهم بالمعتدلين، وتطبيق إجراءات واضحة ضد التحريض. ويشير إلى أن مثل هذه الرقابة موجودة في دول عربية عدة، انطلاقًا من إدراك حكوماتها لثقل الخطاب الديني في الاستقرار الداخلي.


يقدم مثال دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يشير إلى مجمع “بيت العائلة الإبراهيمية” في أبوظبي، الذي يضم مسجدًا وكنيسة وكنيسًا في موقع واحد، بوصفه رمزًا لسياسة رسمية قائمة على التسامح الديني والتعايش. ويروي الكاتب أن الرئيس الإماراتي الراحل خليفة بن زايد آل نهيان شدد، عند عرض المخطط الأولي للمجمع، على ضرورة تمثيل الديانة اليهودية إلى جانب الإسلام والمسيحية، باعتبار ذلك تعبيرًا عن تجاوز الخلافات السياسية من أجل العيش المشترك.


ويربط الكاتب بين الرمزية والسياسة العملية، مشيرًا إلى وجود إشراف حكومي على خطب الجمعة في الإمارات، من حيث النصوص المعتمدة والتعيينات والتدريب، بما يضمن رسائل تدعو إلى التعايش.


تركيا وغزة: نفوذ أيديولوجي لا حياد فيه


في المقابل، ينتقد الكاتب السياسة التركية في عهد رجب طيب أردوغان، معتبرًا أنها تتبنى خطًا أيديولوجيًا معاديًا لإسرائيل، وتسهم في تغذية وعي إسلامي تعبوي. ويرى أن النظام التعليمي في تركيا لم يعد محايدًا أو تربويًا فحسب، بل بات مشروعًا استراتيجيًا، شهد خلال السنوات الأخيرة إدخال مفاهيم المقاومة، أو ما اسماه “الجهاد القتالي”، إلى المناهج، وتصوير الشهادة في المعارك بوصفها قيمة عليا، وتقديم الصراع والقتال كجزء أساسي من الهوية الدينية والوطنية.


ويؤكد الكاتب أن الإسلام، في هذا الخطاب، لم يعد يُعرض كدين فحسب، بل كمشروع سياسي، مع تصوير الغرب وإسرائيل كقوى استعمارية، وتقديم فهم متساهل تجاه جماعات متطرفة، واستخدام لغة شيطنة للصهيونية، ووصف المسيحيين واليهود بغير “أهل الكتاب”.


مستقبل غزة بين الإعمار والوعي


يخلص المقال إلى أن المساجد التي ترفع العلم التركي في غزة ليست محايدة، بل تعكس محاولة لإعادة تشكيل الفضاء الديني والسياسي بروح أنقرة، وأن مستقبل القطاع لا يمكن أن يُترك بيد أطراف تمنح شرعية سياسية لحماس وتؤطر الصراع باعتباره مواجهة دينية شاملة.


يعترف الكاتب بأن خطط "نزع التطرف" ـ أو بمعنى أصح "نزع الدين"ـ  لا تعطي نتائج فورية، وأن ثمارها تظهر مع الجيل التالي، لكنه يحذر من تكرار ما يصفه بإضاعة جيل كامل منذ اتفاق أوسلو، حين افترضت الأطراف المختلفة أن الحوافز الاقتصادية تكفي لتغيير الواقع. ويؤكد أن أي إعادة إعمار مادية من دون تغيير في الخطاب الديني والتعليمي ستبقى “بناءً على الرمال”.


وينهي الكاتب مقاله بالتشديد على أن معركة الغد في غزة لن تُحسم عند الحدود والمعابر فقط، بل في سؤال جوهري: من يكتب خطبة الجمعة، ومن يشكل وعي الجيل القادم.

 

https://www.jpost.com/opinion/article-887239